المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خلف الستار....


همسة عتاب
31-01-2009, 01:47 PM
=

في تلك الليلة اشتعلت نيران الألم في جسدي .. و بدأت بالتهام كل خلية في جسمي الضئيل ..كنت بحاجة للنقل للمشفى ..فنقلني والدي إليه و بقى جواري لساعات و المغذي ينقل إلى جسدي الدماء الجديدة .. ككل مرة !..
لم يحدث أي شيء جديد .. و لكن هذه المرة اضطررت لمشاركة أحدهم غرفته .. و لأني لا أحب أن يشاركني أحدهم الغرفة .. فأنني بغضب أحكمت إغلاق الستارة الفاصلة بين سريري و سريره ..و بقيت أحادث والدي عن آلامي و معاناتي .. و أشكو له لعله يجد حلاً .. دواء .. أي شيء .. فقط لأتخلص من هذا المرض الوراثي الذي قضى على جسدي ..إلى أن غادر هو و تركني في ألم و وجع .. أأن بصوتٍ منخفض تارة .. و تارة أخرى أزلزل جدران الغرفة بصراخي .. و لم تجد الممرضات ما يهدئني سوى الحقن المهدئة ..
أسندت جسدي على الوسادة .. و بغضب تعمدت إسقاط الكأس و ما يحويه على الأرض فانكسر ..رباه .. أكره المستشفيات منذ صغري ..كيف يحرموني من مذاكرة دروسي لامتحان الغد .. هكذا تتكرر مرات رسوبي ..نظرت للستارة .. يا لهذا الهدوء .. كيف لي أن أصدق أن هذا الذي يشاركني الغرفة مصاب بالمرض ذاته .. كيف له أن لا يتوجع و يئن ؟
أحسده .. تواتيني رغبة بالإفصاح عن هذا الشعور فنطقت : "أحسدك ..أتسمعني ؟ لا تتألم و لا تتوجع .. يا لك من مرتاح "
و نظرت للستار منتظراً الرد فلم ألقى إلا الصمت .. يتجاهلني ؟!!
جلست لفترة على ذلك السرير .. حتى جاءتني رغبة بالخروج .. أريد التنزه .. رغم أني أتألم قليلاً ..نهضت من سريري جاراً بيدي حمّالة المصل .. و خرجت من الغرفة أتجول هنا و هناك .. اقتربت من إحدى الممرضات ..خاطبتني هي بابتسامة:
" يبدو أنك قد تحسنت في الليلة الأولى .. "
قلت بسخرية :" و من قال أني تحسنت ؟ كنت أريد التنزه .. فالغرفة كئيبة .. و الذي يشاركني الغرفة يصر على الصمت "
قالت باستغراب :" يصر على الصمت ؟ أنا أعرفه .. لقد أتى قبلك منذ عدة ساعات فقط .. و لكنه كان يتوجع كثيراً .."
قلت :" أظنه تحسن .. أو غارق في النوم .. أو ربما يكتم ألمه .. "
ابتسمت الممرضة و أشارت لصينيتين موضوعتين على طاولة ما .. و قالت :" خذ هذا .. طعام عشاءك و عشاءه "
اتجهت نحو الصينيتين و حملتهما و عدت للغرفة ..وضعت الصينيتين على طاولة كبيرة و جلست على سريري .. نظرت للستارة .. هل هو نائم حقاً ؟!! متى يستيقظ .. ؟!! أشعر بالملل ..
خاطبته :" لا أصدق أنك نائم .. ألن تستيقظ ؟ .. لقد أتيت بطعام العشاء .. ألست جائعاً ؟!! "
و لم يجيبني .. فقلت :" إذا أنت نائم .. رغم أني لا أصدق ذلك .. لذلك سأتناول طعامي و سأدعك تموت جوعاً "
تناولت صينيتي و جلست أتناول عشاءي بهدوء .. و بعد ذلك خلدت للنوم و ذلك المريض الصامت لم يتحرك بعد ..
و في صباح اليوم التالي استيقظت و رأيت شخصاً يرتدي ملابس عمل للتنظيف ..ينظف زوايا الغرفة .. خاطبته :" مرحباً "
استدار لي و كان رجلاً عجوزاً بشوش الوجه .. رد :" مرحباً .. "
" أتعمل هنا ؟ "
" منذ زمن .. أنظف غرف المرضى .. "
ابتسمت له .. ثم بقينا في صمت لفترة .. نظرت أنا للستارة .. هل استيقظ يا ترى ؟!! خاطبته :
" ماذا عنك أنت ؟ ألازلت تصر على عنادي..هل استيقظت ؟!!"
التفت لي العجوز باستغراب ..و قال :" أتخاطبني ؟!! "
التفتت له بضحكة :" لا .. بل هذا الشخص "
و أشرت للستارة .. فقال العجوز مبتسماً :" لا تخاطب أو تتكلم مع أي أحد .. ربما هو شخص مهموم أو مرهق أو في قمة المرض .. لا يستطيع الإجابة عن أسئلتك .. "
نظرت للستارة ..ثم قلت :" ليس مريضاً أكثر مني على أية حال .. فلم أسمعه يتوجع "
و نظرت للستارة بمكر و قلت :" أريد أن أفزعه إذ كان نائماً "
و مددت يدي للستارة فزجر بي العجوز بغضب :" توقف ! .. ليس من حقك .."
نظرت له باستغراب .. فقال :" هذا جنون .. كيف لك أن تفزع شخصاً من نومه .. لربما أصابته نوبة قلبية لا سمح الله .. "
احمر وجهي خجلاً و أطلقت أنظاري في الفراغ ثم شُغلت بقراءة إحدى المجلات الموضوعة على الخزانة الصغيرة ..
خرج العجوز و بقيت في ملل كبير .. الآن ينتابني فضول حول ذلك الشخص الصامت ..لماذا لا يجيب على أسئلتي .. أهو كبير في السن ؟ أم شاب ؟ أم أصغر مني ؟ .. كيف هي ملامحه .. ما أسمه ؟!!
يمكنني كشف كل ذلك في دقائق .. لمجرد أن أفتح الستارة .. و لكن ! ذلك لا يحق لي ..
على الأقل أريد معرفة أسمه فقط .. مددت يدي بحذر نحو الستارة .. بهدوء و حذر أكثر .. و هاهي أصابعي توشك على لمس الستارة ..
" ماذا تفعل ؟!! "
فزعت .. و نظرت لمصدر الصوت الحاد هذا .. فإذا هي أختي الصغرى واقفة تنظر لي بنظرات ثاقبة .. و كررت :
" ماذا كنت تفعل ؟!! قل لي يا مجرم ؟!! "
ابتسمت بارتباك قائلاً :" لا شيء .. فقط كنت أعدل وضعية المغذي .."
و أشرت للمغذي.. ثم نظرت لأختي باسماً :" أهلاً بك .. تعالي .. أين والدي و والدتي ؟ و أين هو الصغير المشاغب ؟ "
ابتسمت و اقتربت قائلة :" جئت أنا فقط .. أوصلني أبي لهنا و غادر .."
و جلست بجانبي قائلة :" يقولون أنك تحسنت و ستخرج من هنا اليوم أو غداً "
ابتسمت بفرح :" حقاً ..؟!! عظيم .. "
و قالت و هي تضع كيساً ثقيلاً فوق السرير :" هذه كتبك المدرسية لتدرس قليلاً "
" شكراً"
و شيءٌ ما شدني للستارة من جديد ..ترى ما سر ذلك الشخص ..
" إلام تنظر ؟!! "
نظرت لأختي المتسائلة .. فاقتربت منها و همست في أذنها :" هذا الشخص الذي بجانبي يثير الريبة .. لم يتكلم منذ أن دخلت الغرفة .. "
قالت ببساطة :" لعله نائم "
قلت بانفعال :" نائم طول هذا الوقت ؟ ثم كيف له أن لا يتوجع و هو مريض مثلي ؟!! "
و هنا اهتمت أختي للأمر .. فنظرت للستارة طويلاً ثم قالت بهمس :" خاطبه .. تكلم معه "
" فعلت .. سألته عدة مرات عن أشياء مختلفة و لكنه لم يجبني .. "
و نظرت للستارة .. ثم لأختي بمكر :" أود لو أفتح هذه الستارة "
نظرت لي بحدة :" كيف ستفعل هذا ؟!! أنه مريض و لا يجوز لك إزعاجه .. "
قلت بإصرار :" سأفعل .. و لن يهمني شيء "
و مددت يدي نحو الستارة فهتفت أختي :" توقف "
نظرت لها :" ما بكِ "
قالت :" افعل ذلك وحدك .."
و حملت حقيبتها و خرجت من الغرفة !!!
ماذا سيحدث لو فتحت الستارة ؟!! أسبب إزعاجا كبيراً له ؟!! لا أظن ذلك ..
مددت يدي نحو الستارة من جديد .. و قبضت عليها .. هل سيغضب ؟!! .. أظن أن ما سأفعله ليس من الأدب و اللباقة .. و لكني .... أغمضت عيني و فتحت الستارة و بقيت مغمض العينين لبرهة ثم أغلقت الستارة ..و فتحت عيني ؟!!
هل شعر بي يا ترى ؟!! هتفت بصوتٍ مرتفع نسبياً :" أنا آسف "
و لم أجد جواباً .. فقلت :" إذاً أنت لم تشعر بي .. "
=
بقيت أدرس و أدرس ..و بين الفينة و أختها أرمي نظرة على الستارة .. إلى متى سيتكلم هذا الشخص ؟!!
قطعت دراستي و بقيت أتأمل الستارة .. و بفضول مددت يدي بهدوء و فتحت منها القليل و طللت على ما في خلفها فلم تتضح لي سوى اللوحة التي كُتب فوقها أسم هذا الشخص .. و كان أسمه "سالم عبد المجيد "..
تأملت الاسم مطولاً .. ثم أغلقت الستارة على الفور .. و حاولت شغل نفسي بكتبي و لم أستطع .. فخاطبته :
" سالم !! .."
و صمتت قليلاً .. و بعدها تابعت :" أظنك تستغرب كيف لي أن أعرف أسمك ، بكل صراحة قرأت أسمك من فوق اللوحة "
و نظرت للستارة .. و قلت بانفعال :" لماذا تصمت ؟!! تكلم و لا تثيرني أكثر يا .. سالم عبد المجيد "
رباه .. ! هل هو نائم حقاً .. أم عنيد .. أم هو مرهق .. أم أخرس .. أو ربما .. ربما ..
رباه ..! و بجنون فتحت الستارة لأرى ما توقعته حقيقة ..
ميت !!!!!

نظرت للمصل فإذا هو فارغ .. و نظرت لوجهه فإذا بعينيه مغمضتين و شفتيه كلون وجهه الشاحب ..و نظرت لشعره فرأيته يتناثر على جبينه .. و رأيت جسده متصلب .. و كل شيء فيه يوحي إلى أنه ميت ..

وقفت بذهول أنظر له .. و تراجعت خطوة ..كان مشهداً فظيعاً .. الذي كنت أخاطبه و أحسب ألف حساب له و أظنه عنيد .. هو ميت و بلا حياة ..
و مات قبل أن آتي أنا لهنا ..
و ربما مات بعد فترة قصيرة منذ جاء لهنا..

ليس بسبب إهمال الممرضات .. و لا بسببي أنا الذي لم أفتح الستارة قبل ذلك و لا بسبب أي شخص ..
أنه قدره على أية حال..

لكبريائي روايه
31-01-2009, 01:58 PM
قصه مؤثره

يسلموووووووووووووو

لاحوله ولا قوة إلا بالله